النويري
329
نهاية الأرب في فنون الأدب
وتحويل القبلة أوّل ما نسخ من أمور الشرع . وذلك أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلَّون بمكة إلى الكعبة . فلما هاجر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى المدينة ، أمره اللَّه تعالى أن يصلَّى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلَّى إلى قبلتهم مع ما يجدون من تعيينه في التوراة . هذا قول عامّة المفسرين ، على ما حكاه الثعلبىّ عنهم . وقال عبد الرحمن بن زيد : قال اللَّه تعالى لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم : * ( ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الله ) ) * ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « هؤلاء يهود يستقبلون بيتا من بيوت اللَّه » . فاستقبله النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم . قالوا جميعا : فصلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا ، وكانت الأنصار قد صلَّت قبل بيت المقدس ستين يوما ، قبل قدوم النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم . وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . واختلفوا في السبب الذي كان عليه الصلاة والسلام من أجله يكره قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة . فقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما : لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليهما السلام . وقال مجاهد : من أجل أن اليهود قالوا : يخالفنا محمد في ديننا ، ويتّبع قبلتنا ! وقال مقاتل بن حيّان : لما أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يصلى نحو بيت المقدس ، قالت اليهود : يزعم محمد أنه نبي ، وما نراه أحدث في نبوّته شيئا ! أليس يصلى إلى قبلتنا ويستسنّ بسنتنا ؟ فإن كانت هذه نبوّة . فنحن أقدم وأوفر نصيبا .